منير سلطان
185
إعجاز القرآن بين المعتزلة والأشاعرة
قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنا ) * [ الزخرف - 45 ] ليس المراد بسؤال الرسل حقيقة السؤال ، لاحالته ، ولكنه مجاز عن النظر في أديانهم والفحص عن مللهم ، هل جاءت عبادة الأوثان قط في ملة من ملل الأنبياء ؟ وكفاه نظرا وفحصا نظره في كتاب اللّه المعجز المصدق لما بين يديه وأخبار اللّه فيه بأنهم يعبدون من دون اللّه ، ما لم ينزّل به سلطانا وهذه الآية في نفسها كافية لا حاجة إلى غيرها . والسؤال الواقع مجازا عن النظر ، حيث لا يصح السؤال على الحقيقة ، كثير : منه مساءلة الشعر الديار والرسوم والأطلال وقول من قال : سل الأرض من شقّ أنهارك ؟ وغرس أشجارك ؟ وجنى ثمارك ؟ فإن لم تجبك حوارا أجابتك اعتبارا « 1 » . ويجرى البيان القرآني على أسلوب الشعر في الفاصلة . يقول الزمخشري في الآية ( وَقالُوا رَبَّنا إِنَّا أَطَعْنا سادَتَنا وَكُبَراءَنا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا ) [ الأحزاب - 67 ] . يقال ضل السبيل وأضله إياه ، وزيادة الألف لإطلاق الصوت ، جعلت فواصل الآي كقوافى الشعر ، وفائدتها الوقف ، والدلالة على أن الكلام قد انقطع ، وإن ما بعده مستأنف « 2 » . الجناس : يقول الزمخشري في الآية ( وَقِيلَ يا أَرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ ، وَيا سَماءُ أَقْلِعِي ، وَغِيضَ الْماءُ ، وَقُضِيَ الْأَمْرُ ، وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ ، وَقِيلَ بُعْداً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ) [ هود - 44 ] . يقال : بعد بعدا وبعدا ، إذا أرادوا البعد البعيد ، حيث الهلاك والموت ونحو ذلك ، ولذلك اختص بدعاء السوء ، ومجىء أخباره على الفعل المبنى للمفعول ، للدلالة على الجلالة والكبرياء ، وأن تلك الأمور العظام لا تكون إلا بفعل فاعل ، وتكوين مكوّن قاهر ، وأن فاعلها فاعل واحد لا يشارك في أفعاله ، لا يذهب الوهم إلى أن يقول غيره يا أرض ابلعي ماءك ، ويا سماء أقلعى ، ولا أن يقضى ذلك الأمر الهائل غيره ، ولا أن تستوى السفينة على متن الجودى وتستقر عليه إلا بتسويته وإقراره ، ولما ذكرنا من المعاني والنكت ، استفصح علماء البيان هذه الآية ، ورقّصوا لها رؤوسهم ، لا لتجانس الكلمتين وهما قوله : ابلعي
--> ( 1 ) الزمخشري - الكشاف - 2 / 352 و 353 . ( 2 ) نفس المصدر - 2 / 222 .